حيدر حب الله

355

إضاءات في الفكر والدين والإجتماع

السمك وتشرب اللبن فإنّه يؤذيك ، أو لا تفعل كذا فإنّه يورث الفقر ، حملوا ذلك على الأخلاقيّة والكراهة ، وكأنّ القانونيّ لا يحقّ له أن يدعم نصّه التشريعي بتوجيهٍ يبعث في نفس المكلّف الحركة نحو التطبيق . ولو جاء نصّ يقول : لا تتظلّل في الحجّ ، فإنّ من ترك التظلّل غفرت ذنوبه ، فإنّ الفقهاء يفهمون من ذلك أحياناً - كما حصل للمجلسي الأوّل رحمه الله بالفعل في إحدى روايات التظليل - الترغيب وليس الحكم الإلزامي ، أليس يمكن للإمام أن يكون مبيّناً للقانون ، ويردف ذلك بتوجيهٍ وإخبار يبعث في النفس حماس التطبيق ؟ وهل الأئمّة والأنبياء فقهاء فقط يجيبون عن الاستفتاء ببالغ الاختصار ؟ ما المانع أن يكون ذلك قانوناً وفي الوقت عينه هناك لسان ترغيب بالثواب ؟ ولو راجعنا لرأينا أنّ أكثر الواجبات والمحرّمات المذكورة في الكتاب والسنّة ورد فيها هذا اللسان أيضاً . إنّنا نلاحظ أحياناً أنّ أحد عوامل هذا الأمر هو وجود نصوص واضحة في الإلزام في مقابل شبه إجماع فقهيّ تاريخي على عدم الإلزام ، هذا الأمر ساعد أيضاً على الحمل على اللسان الأخلاقي في بعض النصوص ؛ توفيقاً بين الأمرين . على أيّة حال ، لا أزعم أنّ الفقهاء لم ينتبهوا لتنوّعات الدلالة والبيانات ، بل على العكس كانت لهم أيدي بيضاء في هذا المجال وقصب السبق كان من نصيبهم ، لكن ما أدعو إليه هو إعادة النظر في جملة من التطبيقات مع الالتفات لذهنيّة جديدة في الموضوع ، تبتعد عن القهر التقعيدي للدلالات نحو مزيد من العفوية والعرفيّة ، ولا تحاول أن تسقط شخصيّة رجل الفقه والقانون المعاصر على النبي أو الإمام ، لتحكم على طريقة بيانه بالأخلاقية عندما لا تنسجم مع طريقة بيان الفقهاء المعاصرة مثلًا أو تكون قريبةً من روحها . هذا وللتفصيل